والجواب أنه حيث يراد مع ما سببية أو ما يشبه معنى المجازاة وكان الكلام المجاوب بصريح الفعل إذ هو أوضح إحرازا لهذا المعنى فحيث يجيء هذا فالوجه والأولى أن يترتب الجواب بالفاء وسواء تسبب عن الأول أو أقيم مقام ما تسبب عن الأول مثال الجارى على طريقة السببية قوله تعالى:"سنقرئك فلا تنسى"وقوله:"فآمنوا فمتعناهم إلى حين"وقوله:"فكذبوه فأنجيناه"وهذا كثير.
ومثال الثاني:"ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا"وقوله:"وجعلنا لهم سمعا وأبصرا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء".
ولما تقدم فِي سورة النمل قوله تعالى:"أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون"أى وقد منحتم بصائر للفه والاعتبار أو أبصارا لإدراك الأشياء وإحراز الحياء المانع من مواقعة العار.
فما أثمر أنس ذلك لكم إلا التعامى عن رشادكم وتمادى عنادكم فختام الآيتين بقوله:"وأنتم تبصرون"وقوله:"بل أنتم قوم تجهلون"فالجملة الفعلية فِي خبر المبتدأ فِي الأول وفى الصفة الموطئة للخبر فِي الثانية مسوغ لتقدير معنى السببية لذلك من الواو فِي سورة الأعراف إذ الختم فِي الآيتين قبل آية الجواب بالجمل الإسمية:"ما سبقكم بها من أحد من العالمين بل أنتم مسرفون"فليس هذا فِي تقدير السببية كالأول فالجواب هنا بالواو وحسن مع جواز الفاء والجواب بالفاء حيث تقدم أقوى لمكان الفعل وكون المعنى عليه فورد على ما يقويه السياق ويشهد له المعنى.
وأما آية العنكبوت فقد تقدم فيها أيضا قوله تعالى:"أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فِي ناديكم المنكر"فهذه جملة فعلية وتقدير معنى السببية فيها كآية النمل، فالجواب فيها بالفاء كما فِي آية النمل أولى وأجرى مع المعنى وما يعطيه السياق وجاء كل ذلك على ما يناسب والله أعلم. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 205 - 211}