لكنه على منازل لا يحتمل انتهاء كل أنواع المآثم إلى هذه الغاية؛ بل فيها ما كان أعظمها دون هذا بكثير - واللَّه أعلم - لذلك يلزم تعرف مقادير الآثام أولًا؛ ليعرف بها ما يحتمل كل إثم من العقوبة فيه والزجر به، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) :
لأنه لا يحب الظلم.
وقوله: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ) ، قيل: ذلك الذي ذكر في هذه الآية: نثلو عليك يا مُحَمَّد.
(مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)
هو المحكم، وقيل: (الْحَكِيم) ، أي: من نظر فيه وتفكر يصير حكيمًا؛ كما قال: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) ، أي: يبصر فيه، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ(59)
قيل في القصة: إن نصارى من أهل نجران قدموا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا له: إنك تشتم صاحبنا عيسى ابن مريم، تزعم أنه عبد، وهو يُحْيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيطير، فأرنا فيما خلق اللَّه عبدًا مثله يعمل هذا، والنصارى في الحقيقة مشبهة وقدرية: وأمَّا التشبيه: فإنما حملهم على ذلك ظنهم في قول إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ حيث قال: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ؛ ظنوا أن عيسى لما قال: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) أنه رب وإله؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - أخبر أن ربه (الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ؛ فسموا عيسى إلهًا بهذا، وهم كانوا يرون عيسى يأكل ويشرب وينام؛ فلولا أنهم عرفوا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وإلا ما شبهوه به، تعالى اللَّه عن ذلك.
وأمّا القدرية: فلما لم يروا لله في أفعال العباد صنعًا؛ إنما رأوا ذلك للخلق خاصة،