قَالَ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} وَالْأَنْصَارُ: جَمْعُ نُصَيْرٍ، كَمَا الْأَشْرَافُ جَمْعُ شَرِيفٍ، وَالْأَشْهَادُ جَمْعُ شَهِيدٍ وَأَمَّا الْحَوَارِيُّونِ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سُمُّوا حَوَارِيِّينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَمُّوا بِذَلِكَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَصَّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيَابَ
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ خَاصَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَصَفْوَتُهُمْ
عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} قَالَ: «أَصْفِيَاءُ الْأَنْبِيَاءِ»
وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى الْحَوَارِيِّينَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا غَسَّالِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَوَرَ عِنْدَ الْعَرَبِ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ، وَلِذَلِكَ سُمَيَّ الْحَوَارِيُّ مِنَ
الطَّعَامِ حَوَارِيًّا لِشِدَّةِ بَيَاضِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ الشَّدِيدِ الْبَيَاضِ مُقْلَةِ الْعَيْنَيْنِ أَحْوَرُ، وَلِلْمَرْأَةِ حَوْرَاءُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَوَارِيُّو عِيسَى كَانُوا سُمُّوا بِالَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ تَبْيِيضِهِمُ الثِّيَابَ وَأَنَّهُمْ كَانُوا قَصَّارِينَ، فَعُرِفُوا بِصُحْبَةِ عِيسَى وَاخْتِيَارِهِ إِيَّاهُمْ لِنَفْسِهِ أَصْحَابًا وَأَنْصَارًا، فَجَرَى ذَلِكَ الِاسْمُ لَهُمْ وَاسْتُعْمِلَ، حَتَّى صَارَ كُلُّ خَاصَّةٍ لِلرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَنْصَارِهِ حَوَارِيَّهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيُّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» يَعْنِي خَاصَّتَهُ وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي مَسَاكِنُهُنَّ الْقُرَى وَالْأَمْصَارُ حَوَارِيَّاتٌ، وَإِنَّمَا سُمِّينَ بِذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْبَيَاضِ عَلَيْهِنَّ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي جَلْدَةَ الْيَشْكُرِيِّ:
[البحر الطويل]
فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلَا تَبْكِنَا إِلَّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صِفَتُهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَبْيِيضِهِمُ الثِّيَابَ: آمَنَّا بِاللَّهِ، صَدَّقْنَا بِاللَّهِ، وَاشْهَدْ أَنْتَ يَا عِيسَى بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ.