دل هذا الكلام: على أنها - لما وضعتها - قالت ما تقدم. وأطلقت عليها اسم مريم في اليوم الذي وضعتها فيه. وهي السنّة في شريعتنا أيضا.
فقد أخرج الشيخان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"وُلِدَ لِيَ الليلةَ ولدُ سمّيته باسم أبي إبراهيمَ"وأخرجا أيضا، عن أنس بن مالك:"أنه ذهب بأخيه حين ولدته أُمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنَّكه وسماه عبد الله".
لم تشأ أُم مريم أن ترجع في نذرها حَمْلها لخدمة البيت وبعادة الله فيه، بعد أن تحقق أنه أُنثى.
وكان أول شيء اتجهت إليه - في هذا الصدد - أن تسميها بالاسم المناسب لما أرادته في نذرها وهو مريم. فإن معناه: العابدة، في لغتها. وعقَّبت ذلك بضراعتها إلى الله: أن يعصمها ويحفظها وذريتها من الشيطان الرجيم، المطرود من رحمة الله. بحيث يكونون - جميعًا - في مرضاة الله وعبادته.
هذا، وقد قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن مريم معرب مارية بمعنى جارية.
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) }
المفردات:
(فَتَقَبَّلَهَا) : أي قبل مريم - في النذر - مكان الذكر.
(وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) : وربَّاها تربية طيبة .. حيث نشأت في طاعة الله.
(وَكَفَّلَهَا زَكَرِيا) : أي جعله كافلا وضامنا لها.
(الْمِحْرَابَ) : غرفة عالية، بنيت لها، أو هو المسجد.
(أَنَّى لَكِ هَذَا) : من أَيْنَ لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاقنا؟
التفسير
37 - {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ... } الآية.
قلنا: إن أُم مريم، مضت في نذرها مع وليدتها الأُنثى، مخالفة بذلك مألوف قومها: من أن خادم بيت المقدس يكون من الذكران.
وهنا، تصريح الآية: أنه تعالى، تفضل فقبل منها مريم قبولاً حسنًا، وفاءً بنذرها، لما تعلقت به مشيئته من أُمور عظيمة، ترتبط بوليدتها الأُنثى.