فَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ مَنْ رَوَيْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أَنَّهُ بِمَعْنَى فَقَطِّعْهُنَّ إِلَيْكَ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَسَوَاءٌ قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ بِضَمِّ الصَّادِ {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أَوْ كَسْرِهَا (فَصِرْهُنَّ) إِذْ كَانَتِ اللُّغَتَانِ مَعْرُوفَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهِ {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} بِضَمِّ الصَّادِ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَى اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَعِنْدَ نَفَرٍ قَلِيلٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّهَا بِمَعْنَى: أَوْثِقْ.
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ قَوْلُهُ: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} قَالَ: «اضْمُمْهُنَّ إِلَيْكَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِذَلِكَ عَلَى كُلِّ رُبْعٍ مِنْ أَرْبَاعِ الدُّنْيَا جُزْءًا مِنْهُنَّ.
عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ:"أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَيَذْبَحَهُنَّ، ثُمَّ يَخْلِطَ بَيْنَ لُحُومِهِنَّ وَرِيشِهِنَّ وَدِمَائِهِنَّ، ثُمَّ يُجَزِّئَهُنَّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْبُلٍ، فَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ شَكَلَ عَلَى أَجْنِحَتِهِنَّ، وَأَمْسَكَ بِرُءُوسِهِنَّ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ الْعَظْمُ يَذْهَبُ إِلَى الْعَظْمِ، وَالرِّيشَةُ إِلَى الرِّيشَةِ، وَالْبَضْعَةُ إِلَى الْبَضْعَةَ، وَذَلِكَ بِعَيْنِ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ دَعَاهُنَّ فَأَتَيْنَهُ سَعْيًا عَلَى أَرْجُلِهِنَّ، وَيُلْقِي كُلُّ طَيْرٍ بِرَأْسِهِ، وَهَذَا مَثَلٌ آتَاهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: كَمَا بَعَثَ هَذِهِ الْأَطْيَارَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْبُلِ الْأَرْبَعَةِ، كَذَلِكَ يَبْعَثُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَرْبَاعِ الْأَرْضِ وَنَوَاحِيهَا"