يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: {ثُمَّ نَكْسُوهَا} أَيِ الْعِظَامَ لَحْمًا، وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} مِنْ ذِكْرِ الْعِظَامِ، وَمَعْنَى نَكْسُوهَا: نُلْبِسُهَا وَنُوَارِيهَا بِهِ كَمَا يُوَارِي جَسَدَ الْإِنْسَانِ كِسْوَتُهُ الَّتِي يَلْبَسُهَا، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ، تَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ غَطَّى شَيْئًا وَوَارَاهُ لِبَاسًا لَهُ وَكِسْوَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ:
[البحر البسيط]
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي ... حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الْإِسْلَامِ سِرْبَالَا
فَجَعَلَ الْإِسْلَامَ إِذْ غَطَّى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَوَارَاهُ وَأَذْهَبَهُ كِسْوَةً لَهُ وَسِرْبَالًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} فَلَمَّا اتَّضَحَ لَهُ عِيَانًا مَا كَانَ مُسْتَنْكِرًا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ عِنْدَهُ قَبْلَ عِيَانِهِ ذَلِكَ، قَالَ: أَعْلَمُ الْآنَ بَعْدَ الْمُعَايَنَةِ وَالْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ} فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {قَالَ أَعْلَمُ} عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِوَصْلِ الْأَلْفِ مِنْ «أَعْلَمُ» ، وَجْزِمِ الْمِيمِ مِنْهَا. وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (قِيلَ اعْلَمْ) عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ لِلَّذِي أُحْيِيَ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَأُمِرَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يُحْيِيهِ اللَّهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.