{ما أنت بنعمةِ ربّك بمجنونٍ} كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أنه مجنون به شيطان ، وهو قولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} [الحجر: 6] فأنزل اللَّه تعالى رداً عليها وتكذيباً لقولهم: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} أي برحمة ربك ، والنعمة ها هنا الرحمة.
ويحتمل ثانياً: أن النعمة ها هنا قسم ، وتقديره: ما أنت ونعمة ربك بمجنون ، لأن الواو والباء من حروف القسم.
وتأوله الكلبي على غير ظاهره ، فقال: معناه ما أنت بنعمة ربك بمخفق.
{وإنّ لك لأجْراً غيْرَ مَمْنُونٍ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: غير محسوب ، قاله مجاهد.
الثاني: أجراً بغير عمل ، قاله الضحاك.
الثالث: غير ممنون عليك من الأذى ، قاله الحسن.
الرابع: غير منقطع ، ومنه قول الشاعر:
ألا تكون كإسماعيلَ إنَّ له... رأياً أصيلاً وأجْراً غيرَ ممنون
ويحتمل خامساً: غير مقدّر وهو الفضل ، لأن الجزاء مقدر ، والفضل غير مقدر.
{وإنك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أدب القرآن ، قاله عطية.
الثاني: دين الإسلام ، قاله ابن عباس وأبو مالك.
الثالث: على طبع كريم ، وهو الظاهر.
وحقيقة الخلُق في اللغة هو ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب سمي خلقاً لأنه يصير كالخلقة فيه ، فأما ما طبع عليه من الآداب فهو الخيم فيكون الخلق الطبع المتكلف ، والخيم هو الطبع الغريزي ، وقد أوضح ذلك الأعشى في شعره فقال:
وإذا ذو الفضول ضنّ على المو... لي وعادت لِخيمها الأخلاقُ
أي رجعت الأخلاق إلى طباعها.
{فَسَتبْصِرُ ويُبْصرُونَ} فيه وجهان:
أحدهما: فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحق والباطل.
الثاني: قاله ابن عباس معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة.
{بأَيِّكم المْفتونُ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: يعني المجنون ، قاله الضحاك.
الثاني: الضال ، قاله الحسن.
الثالث: الشيطان ، قاله مجاهد.