قال: شربة من ماء دجلة وشمة من تراب اصطخر، فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب وقالت له: هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك، فشرب واشتم بالوهم فنفعه من علته.
وقال الجاحظ: كان النفر في زمن البرامكة إذا سافر أحدهم أخذ معه من تربة أرضه في جراب يتداوى به، وما أحسن ما قال بعضهم:
بلاد ألفناها على كلّ حالة ... وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
ونستعذب الأرض التي لا هوى بها ... ولا ماؤها عذب ولكنّها وطن
ووصف بعضهم بلاد الهند، فقال: بحرها در وجبالها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر. وقال عبد الله بن سليمان في نهاوند: أرضها مسك، وترابها الزعفران، وثمارها الفاكهة، وحيطانها الشهد. وقال الحجاج لعامله على أصبهان: قد وليتك على بلدة حجرها الكحل، وذبابها النحل، وحشيشها الزعفران. وكان يقال: البصرة خزانة العرب وقبة الإسلام لانتقال قبائل العرب إليها واتخاذ المسلمين بها وطنا ومركزا. وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما سواها بادية. وأنا أقول مصر كنانة الله في أرضه والسلام.
ومما جاء في ذم السفر:
قيل لرجل: السفر قطعة من العذاب، فقال: بل العذاب قطعة من السفر، وقال بعضهم:
كل العذاب قطعة من السّفر ... يا ربّ فارددنا على خير الحضر
وقيل لإعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم
الأوطان. ومرّ إياس بن معاوية بمكان، فقال: أسمع صوت كلب غريب، فقيل له: بم عرفت ذلك؟ قال:
بخضوع صوته، وشدة نباح غيره. وأراد أعرابي السفر، فقال لامرأته:
عدّي السنين لغيبتي وتصبّري ... وذري الشهور فإنّهنّ قصار
فأجابته:
فاذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنّهنّ صغار
فأقام وترك السفر. ويقال: رب ملازم لمهنته فاز ببغيته.
وقال ابن الهيثم:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق
وفيما ذكرته كفاية، وأسأل الله التوفيق والهداية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى انتهى {المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي} ...