والمعنى: تكاد جهنم تتفرّق وتنقطع من شدّة الغضب عليهم؛ أي: يقرب أن يتمزق تركيبها، وينفصل بعضها عن بعض. شبّه اشتعال النار بهم في قوة تأثيرها فيهم. ايصال الضرر إليهم باغتياظ المغتاظ على غيره المبالغ في إيصال الضرر إليه، فاستعير اسم الغيظ لذلك الاشتعال استعارة تصريحيَّة. قال الإِمام: لعل سبب هذا المجاز أنّ دم القلب يغلي عند الغضب، فيعظم مقداره، فيزداد امتلاء العروق حتى يكاد يتمزّق.
وقرأ الجمهور: {تَمَيَّزُ} بتاء واحدة مخففة، والأصل: تتميز بتاءين، وقرأ طلحة {تتميّز} بتاءين على الأصل وقرأ البزّيُّ عن ابن كثير بتشديدها، بإدغام إحدى التاءين في الأخرى، وقرأ أبو عمرو بإدغام الدال في التاء، وقرأ الضحاك {تمايز} على وزن تفاعل، وأصله: تتمايز بتاءين. وقرأ زبد بن على، وابن أبي عبلة (تَمِيْزُ) من مازَ مِنَ الغيظِ يَمِيْزُ من باب باعَ جعلت كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم، ومثل هذا في التجوز قول الشاعر:
فِي كَلْبٍ يَشْتَدُّ فِي جَرْيِهِ ... يَكَادُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ إِهَابِهِ
وجملة قوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} مستأنفة مسوقة لبيان حال أهلها بعد بيان حال نفسها، أو في محل نصب على الحال من فاعل {تميز} . والفوج: الجماعة الكثيرة من الناس؛ أي: كلّما ألقي وطرح فيها؛ أي: في جهنم فوج؛ أي: جماعة من الكفرة بدفع الزبانية لهم؛ الذين هم أغيظ عليهم من النار. {سَأَلَهُمْ} ؛ أي: سأل الفوج سؤال توبيخ وتقريع، وضمير الجمع باعتبار المعنى. {خَزَنَتُهَا} ؛ أي: خزنة النار؛ وهي مالك وأعوانه من الزبانية، ليزدادوا عذابًا فوق عذاب وحسرة؛ أي: ليزدادوا العذاب الروحاني على العذاب الجسمانيّ، والخزنة: جمع خازن بمعنى الحافظ والموكّل؛ أي: سألت الخزنة لهم عن سبب دخولهم النار، وقالوا لهم: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أيها الكفرة الفجرة في الدنيا {نَذِيرٌ} ؛ أي: منذر يتلو عليكم آيات ربكم، وينذركم لقاء يومكم هذا، ويحذركم منه. والإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف.