9 -وجملة قوله تعالى: {قَالُوا} اعترافًا بأنّه تعالى قد أزاح عللهم بالكلية ببعثة الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه، مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر كأنّه قيل: فماذا قالوا بعد هذا السؤال؟ فقال: قالوا: بلى قد جاءنا نذير فأنذرنا وخوّفنا وأخبرنا بهذا اليوم، فكذّبنا النذير. {بَلَى} لإيجاب نفي إتيان النذير. {قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ} جمعوا بين حرف الجواب ونفس الجملة المجاب بها مبالغةً في الاعتراف، وتحسّرًا على فوت سعادة التصديق، وتمهيدًا لبيان التفريط الواقع منهم؛ أي: قال كلُّ فوج من تلك الأفواج: قد جاءنا نذير؛ أي: واحدٌ حقيقةً أو حكمًا كأنبياء بني إسرائيل؛ فإنهم في حكم نذير واحد، فأنذرنا وتلا علينا ما نزل الله عليه من آياته. روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:"أنا النذير والموت المغير والساعة الموعد". {فَكَذَّبْنَا} ذلك النذير في كونه نذيرًا من جهته تعالى.
فَإِنْ قُلْتَ: هذا يقتضي أن لا يدخلها الفاسق المصر؛ لأنّه لم يكذب النذير؟
قلت: قد دلّت الأدلة السمعية على تعذيب العصاة مطلقًا، والمراد بالفوج هنا بعض من ألقي فيها، وهم الكفرة كما سبق. {وَقُلْنَا} في حق ما تلاه علينا من الآيات إفراطًا في التكذيب وتماديًا في الكبر بسبب الاشتغال في الأمور الدنيوية والأحكام الرسومية الخلقية: {مَا نَزَّلَ اللَّهُ} على أحد {مِنْ شَيْءٍ} من الأشياء فضلًا عن تنزيل الآيات عليكم. وقال بعضهم: ما نزل الله من كتاب ولا رسول. {إِنْ أَنْتُمْ} ؛ أي: ما أنتم يا معشر الرسل في ادّعاء أن الله تعالى نزل عليكم آيات تنذروننا بما فيها {إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} ؛ أي: بعيد عن الحق والصواب، وجمع ضمير الخطاب مع أن مخاطب كل فوج نذيره لتغليبه على أمثاله، مبالغة في التكذيب وتماديًا في التضليل، كما ينبئ عنه تعميم المنزل مع ترك ذكر المنزل عليه؛ فإنه ملوح بعمومه حتمًا.