واعلم: أنَّ في كل دركة منها فرقة من فرق العصاة، كعصاة أهل التوحيد والنصارى واليهود والصابئة والمجوس والمشركين والمنافقين، ولم يذكروا الشياطين في واحدة من الدركات السبع، ولعلهم يقسمون على مراتب إضلالهم؛ فيدخل كل قسم منهم مع قسم تبعهُ في إضلاله، فكان سببًا لدخوله في دركة من الدركات الست التحتانية جزاء لضلاله وإضلاله وأذيّةٍ لمن تبعه فيما دعا إليه بمصاحبته ومقارنته، كما قال تعالى: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ} أي: مع شياطينهم.
6 - {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} من كفّار بني آدم، أو من كفّار الإنس والجنِّ والشياطين، وقال سعدي المفتي: الأظهر حمله على الكفرة غير الشياطين، كما يشعر به ما بعده، ولئلا يلزم شبه التكرار. {عَذَابُ جَهَنَّمَ} أي: الدركة النارية التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة، يقال: رجل يهم الوجه: كالح منقبض، وفيه إشارة إلى أنّ عذابه تعالى وانتقامه خارج عن العادة لكونه ليس بسيف ولا سوط ولا عصا ولا نحوها، بل بالنار الخارجة عن الانطفاء، وليس للكافر المعذّب من الخلاص رجاء. {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} ؛ أي: المرجع لهم. والمخصوص بالذم جهنم. وقال بعضهم: جهنم من الجهنام، وهي بئر بعيدة القعر.
وقرأ الجمهور: {عَذَابُ جَهَنَّمَ} بالرفع، والوقف على {السَّعِيرِ} تامٌّ. وقرأ الضحاك، والأعرج، وأُسيد بن أسيد المزني، والحسن في رواية هارون عنه بالنصب عطفًا على {عذاب السعير} كما أنّ {للذين} عطف على {لهم} ؛ أي: وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم، والكلام حينئذٍ من عطف المفرد على المفرد، وعلى هذا فالوقف على {السعير} جائز.
قال في"فتح الرحمن": تضمّنت هذه الآية أنَّ عذاب جهنم للكافرين المخلدين، وقد جاء في الأثر: أنه يمر على جهنم زمن تخفق أبوابها قد أخلتها الشفاعة؛ فالذي في هذه الآية يحمل على جهنم بأسرها؛ أي: جميع الطبقات، والتي في الأثر هي الطبقة العليا؛ لأنها مقر العصاة. انتهى. وهو مراد من قال من الكبار: يأتي زمان تبقى جهنم خالية من أهلها، وهم عصاة الموحدين، ويأتي على جهنم زمان ينبت في قعرها الجرجير، وهي بقلة معروفة.