أحدها: أنه جعلها زينة للناظرين؛ كما قال - تعالى -: (وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) ، ثم هذه الزينة إنما تظهر عندما تخفى على الناظرين زينة الأرض، وذلك في ظلم الليالي؛ فأبدل اللَّه لهم زينة في السماء مكان الزينة التي أنشأها في الأرض، وفضل هذه الزينة على سائرها؛ لأن سائرها لا يظهر إلا بالدنو إليها والقرب منها، ثم جعل هذه الزينة بحيث تظهر فترى من البعد؛ فثبت أن لها فضلا وشرفا على زينة الأرض.
والنعمة الثانية: ما ذكر في قوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ؛ فجعلها هدى من ظلمات أحوال تقع فيسلم بها المرء عن الوقوع في المهالك.
والنعمة الثالثة: ما ذكر من قوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) ، وفي جعلها رجوما للشياطين رفع الاشتباه عن الخلق وإخراجهم من ظلمات الأفعال إلى النور، وذلك أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء؛ فيستمعون إلى الأخبار التي يتحادث بها أهل السماء، فيما بينهم مما يراد بأهل الأرض، فيسترقون السمع منهم، فيأتون بها أهل الأرض ويلقونها إلى أهل الأرض بعدما يخلطونها بأكاذيب من عند أنفسهم فيشبهون على الخلائق ويضلونهم بذلك عن سبيل اللَّه تعالى؛ فملأ اللَّه - تعالى - السماء بالحرس والشهب؛ ليدفعوا الشياطين عن استراق السمع؛ ليكون تبليغ الأخبار إلى أهل الأرض بمن يؤمن عليه الكذب، وهو الرسول - عليه السلام - فتسلم تلك الأخبار عن التخاليط والشبه؛ فيسلم الناس عن الوقوع في الظلمات.
ثم يكون في جعل النجوم زينة للسماء: أن أهل السماء ابتلوا أيهم أحسن عملا؟ كما ابتلي به أهل الأرض؛ ألا ترى إلى ما ذكر في أهل الأرض من قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ، فأخبر أن الزينة للامتحان.