وَهَذَا الْوَجْه الَّذِي يمشي عَلَيْهِ الْحَيَوَان هُوَ العالي من الأَرْض دون الْوَجْه الْمُقَابل لَهُ، فإن سطح الكرة أَعْلَاهَا، وَالْمَشْي إِنَّمَا يَقع فِي سطحها، وَحسن التَّعْبِير عَنهُ بالمناكب لما تقدّم من وصفهَا بِأَنَّهَا ذَلُول.
ثمَّ أَمرهم أَن يَأْكُلُوا من رزقه الَّذِي أودعهُ فِيهَا فذلّلها لَهُم ووطّأها، وفتق فِيهَا السبل والطرق الَّتِي يَمْشُونَ فِيهَا، وأودعها رزقهم فَذكر تهيئة الْمسكن للِانْتِفَاع والتقلب فِيهِ بالذهاب والمجيء وَالْأكل مِمَّا أودع فِيهَا للساكن.
ثمَّ نبّه بقوله {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} على أنّا فِي هَذَا الْمسكن غير مستوطنين وَلَا مقيمين، بل دخلناه عابري سَبِيل فَلَا يحسن أَن نتخذه وطنا ومستقرّا، وَإِنَّمَا دخلناه لنتزوّد مِنْهُ إِلَى دَار الْقَرار، فَهُوَ منزل عبور لَا مُسْتَقر حبور، ومعبر وممر لَا وَطن ومستقر.
فتضمّنت الْآيَة الدّلَالَة على ربوبيّته ووحدانيّته وَقدرته وحكمته ولطفه، والتذكير بنعمه وإحسانه، والتحذير من الركون إِلَى الدُّنْيَا واتخاذها وطنا ومستقرا، بل نسرع فِيهَا السّير إِلَى دَاره وجنّته.
فَالله فِي مَا ضمن هَذِه الْآيَة من مَعْرفَته وتوحيده، والتذكير بنعمه والحث على السّير إِلَيْهِ والاستعداد للقائه والقدوم عَلَيْهِ والإعلام بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يطوي هَذِه الدَّار كَأَن لم تكن، وَأَنه يحي أَهلهَا بعد مَا أماتهم {وَإِلَيْهِ النشور} . انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...