قال القرطبي: في قوله: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} واختلف هل كان هذا القذف قبل المبعث؟ أو بعده لأجل المبعث؟ على قولين، وجاءت الأحاديث بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة الجن عن ابن عباس، وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا: لم تكن الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم رميت، أي: لم تكن ترمى رميًا يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتًا ولا ترمى وقتًا، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب. ولعل الإشارة بقوله تعالى: {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصبًا، وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويَسْلَم واحد ولا يَسْلَم غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكل، فلما بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زيد في حفظ السماء، وأعدت لهم شهب لم تكن من قبل ليدحروا عن جميع جوانب السماء، ولا يقروا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها؛ فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه، فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوة.
فإن قيل: إن هذا القذف إن كان لأجل النبوة فلم دام بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟