وقال: المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر، وأنكر أكثر المعتزلة ذلك، فإن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه كان نفاذه في باطن بني آدم أيضًا غير ممتنع قياسًا على النفس وغيره. الثاني: قوله تعالى: {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (البقرة: 275) الثالث: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-:"إن الشيطان ليجري من"
ابن آدم مجرى الدم"."
الوجه السادس: نزول الشهب أمر كوني، فهل كان موجودًا قبل الإسلام؟ وقد جاء في الشعر الجاهلي تشبيه المسرع من الخيل وغيرها بانقضاض الكواكب.
فإن نزول الشهب كثر في الإسلام، ومن قبل كان يقع نادرًا، أو يكون جعلها رجومًا ملازمًا لظهور الإسلام (لذلك قيل: إنه رجوم إسلامي) وفيما تقدم من الزمان لم يكن لذلك من الشأن فإنه تعالى قال: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} (الملك: 5) .
قال الآلوسي: ورُوي عن الشعبي: من أنه لم يقذف بالنجوم حتى ولد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلما قذف بها جعل الناس يسيبون أنعامهم ويعتقون رقيقهم يظنون أنه القيامة فأتوا (عبد ياليل) الكاهن وقد عمي وأخبروه بذلك فقال: انظروا إن كانت النجوم المعروفة من السيارة والثوابت فهو قيام الساعة، وإلا فهو أمر حادث فنظروا فإذا هي غير معروفة فلم يمض زمن حتى أتى خبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ووافق على عدم حدوثه قبلُ ابنُ الجوزي في المنتظم لكنه قال: إنه حدث بعد عشرين يومًا من مبعثه.
والصحيح أن القذف كان قبل ميلاده عليه الصلاة والسلام، وهو كثير في أشعار الجاهلية إلا أنه يحتمل أنه لم يكن طاردًا للشياطين وأن يكون طاردًا لهم لكن لا بالكلية وأن يكون طاردًا لهم بالكلية، وعلى هذا لا يتأتى الاحتمال السابق، وعلى الاحتمال الأول من هذه الاحتمالات يكون الحادث يوم الميلاد طردهم بذلك، وعلى الثاني طردهم بالكلية وتشديد الأمر عليهم لينحسم أمرهم وتخليطهم ويصح الوحي فتكون الحجة أقطع.