والمعنى: أنهم يزعمون الملائكة إناثاً وذلك توصيف قال تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} [الزخرف: 19] ، وكانوا يقولون الملائكة بنات الله من سروات الجن قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون} [الأنبياء: 26] وقال: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} [الصافات: 158] .
والتعريف في {الأنثى} تعريف الجنس الذي هو في معنى المتعدد والذي دعا إلى هذا النظم مراعاةُ الفواصل ليقع لفظ {الأنثى} فاصلة كما وقع لفظ {الأولى} ولفظ {يرضَى} ولفظ {شيئاً} .
وجملة {وما لهم به من علم} حال من ضمير {يسمون} ، أي يثبتون للملائكة صفات الإِناث في حال انتفاء علم منهم بذلك وإنما هو تخيل وتوهم إذ العلم لا يكون إلا عن دليل لهم فنفي العلم مراد به نفيه ونفي الدليل على طريقة الكناية.
{إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا} .
موقع هذه الجملة ذو شعب: فإن فيها بياناً لجملة {وما لهم به من علم} وعوداً إلى جملة {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} ، وتأكيداً لمضمونها وتوطئة لتفريع {فأعرض عن مَّن تولى عن ذكرنا} [النجم: 29] .
واستعير الاتّباع للأخذ بالشيء واعتقاد مقتضاه أي ما يأخذون في ذلك إلا بدليل الظن المخطىء.
وأطلق الظن على الاعتقاد المخطئ كما هو غالب إطلاقه مع قرينة قوله عقبه {وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً} وتقدم نظيره آنفاً.
وأظهر لفظ {الظن} دون ضميره لتكون الجملة مستقلة بنفسها فتسير مسير الأمثال.
ونفي الإِغناء معناه نفي الإِفادة ، أي لا يفيد شيئاً من الحق فحرف {مِن} بيان وهو مقدم على المبينَّ أعني شيئاً.
و {شيئاً} منصوب على المفعول به ل {يغني} .