ومعنى الهوَي على قول من فسر النجم بالقرآن: أنه نزل من أعلا إلى أسفل ، وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له ، أو أنه محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يظهر للهويّ معنى صحيح ، والعامل في الظرف فعل القسم المقدّر ، وجواب القسم قوله: {مَا ضَلَّ صاحبكم وَمَا غوى} أي: ما ضلّ محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق والهدى ، ولا عدل عنه ، والغيّ: ضدّ الرشد ، أي: ما صار غاوياً ولا تكلم بالباطل ، وقيل: ما خاب فيما طلب ، والغَيّ: الخيبة ، ومنه قول الشاعر:
فمن يْلَق خيراً يحمِد النَّاسُ أَمْرَهُ... وَمْن يَغْوَ لا يعدم على الغيِّ لائماً
وفي قوله: {صاحبكم} إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله ، والخطاب لقريش {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} أي: ما يصدر نطقه عن الهوى لا بالقرآن ولا بغيره ، فعن على بابها.
وقال أبو عبيدة: إنّ عن بمعنى الباء أي: بالهوى.
قال قتادة: أي: ما ينطق بالقراءة عن هواه {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى} أي: ما هو الذي ينطق به إلاّ وحي من الله يوحيه إليه.
وقوله: {يُوحَى} صفة لوحي تفيد الاستمرار التجددي ، وتفيد نفي المجاز ، أي: هو وحي حقيقة لا لمجرد التسمية {عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى} القوى جمع قوّة ، والمعنى: أنه علمه جبريل الذي هو شديد قواه ، هكذا قال أكثر المفسرين: إن المراد: جبريل.
وقال الحسن: هو الله عزّ وجلّ ، والأوّل أولى ، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف {ذُو مِرَّةٍ فاستوى} المرّة: القوّة والشدّة في الخلق ، وقيل: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ، ومنه قول النبيّ:"لا تحل الصدقة لغنيّ ولا لذي مرّة سوي"وقيل: ذو حصانة عقل ، ومتانة رأي.
قال قطرب: العرب تقول لكلّ من هو جزل الرأي ، حصيف العقل ذو مرّة ، ومنه قول الشاعر:
قد كنت قبلَ لِقائكُمُ ذا مِرّةٍ... عندي لِكلُّ مخاصِمٍ مِيزانُهُ