{كَانُواْ قَلِيلاً مّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} أيْ كانُوا يهجعونَ في طائفةٍ قليلةٍ منَ الليلِ على أنَّ قليلاً ظرفٌ أوْ كانُوا يهجعونَ هجوعاً قليلاً على أنَّه صفةٌ للمصدرِ ومَا مزيدةٌ في الوجهين ويجوز أن تكون مصدرية أو موصولة مرتفعة بقليلاً على الفاعلية أيْ كانُوا قليلاً منَ الليلِ هجوعُهم أوْ مَا يهجعونَ فيهِ ، وفيهِ مبالغاتٌ في تقليلِ نومِهم واستراحتِهم ذكرُ القليلِ والليلِ الذي هُوَ وقتَ الراحةِ والهجوعِ الذي هُو الغرارُ منَ النومِ وزيادةُ مَا ، ولا مساغَ لجعلِ ما نافيةً عَلى مَعْنى أنهُم لا يهجعونَ منَ الليلِ قليلاً بل يُحْيونَهُ كُلَّه لَما أنَّ مَا النافيةَ لا يعملُ ما بعدَهَا فيمَا قَبْلَها {وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أيْ هُم مع قلةِ هجوعِهم وكثرةِ تهجدِهمْ يداومونَ على الاستغفارِ في الأسحارِ كأنَّهم أسلفُوا ليلَهُم باقترافِ الجرائمِ ، وفي بناءِ الفعلِ على الضميرِ إشعارٌ بأنَّهُم الأحقاءُ بأنْ يوصفُوا بالاستغفارِ كأنَّهم المختصونَ بهِ لاستدامتِهم لهُ وإطنابِهم فيهِ.
{وَفِى أموالهم حَقٌّ} أيْ نصيبٌ وافرٌ يستوجبونَهُ على أنفسِهم تقرباً إلى الله تعالى وإشفاقاً على النَّاسِ {لَّلسَّائِلِ والمحروم} للمستجدِي والمتعففِ الذَّي يحسبُهُ النَّاسُ غنياً فيحرمُ الصدقة {وَفِى الأرض ءايات لّلْمُوقِنِينَ} أيْ دلائلُ واضحةٌ عَلى شؤونِه تعالَى عَلَى التفصيلِ منْ حيثُ إنَّها مدحوةٌ كالبساطِ الممهدِ وفَيها مسالكُ وفجاجٌ للمتقلبينَ في أقطارِها والسالكينِ في مناكِبها وفَيها سهلٌ وجبلٌ وبرٌّ وقطعٌ متجاوراتٌ وعيونٌ متفجرةٌ ومعادنُ مفتنةٌ وأنها تلقحُ بألوانِ النباتِ وأنواعِ الأشجارِ وأصنافِ الثمارِ المختلفةِ الألوانِ والطعومِ والروائحِ وفَيها دوابُّ مُنبثةٌ قد رتبَ كلُّها ودبرَ لمنافعِ ساكنيِها ومصالحِهم فِي صحتِهم واعتلالِهم.