وقوله تعالى: {وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال الحسن: معناه: يدعون في طَلَبِ المغفرة ، ويُرْوَى أَنَّ أبوابَ الجنة تُفْتَحُ سَحَرَ كُلَّ ليلة ، قال ابن زيد: السَّحَرُ: السُّدُسُ الآخر من الليل ، والباء في قوله {وبالأسحار} بمعنى في ؛ قاله أبو البقاء ، انتهى ، ومن كلام [ابن] الجوزي في «المُنْتَخَبِ» : يا أخي ، علامةُ المَحَبَّةِ طلبُ الخَلْوَةِ بالحبيبِ ، وبيداءُ اللَّيل فلواتُ الخلوات ، لَمَّا ستروا قيامَ الليل في ظلام الدُّجَى ؛ غَيْرَةً أَنْ يَطَّلِعَ الغيرُ عليهم سترهم سبحانه بسترٍ ، {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] ، لَمَّا صَفَتْ خلواتُ الدُّجَى ، ونادى أذان الوصال: أقم فلاناً ، وأنم فلاناً خرجت بالأسماء الجرائد ؛ وفاز الأحبابُ بالفوائد ، وأنت غافل راقد. آهِ لو كنتَ معهم! أسفاً لك! لو رأيتهم لأبصرتَ طلائِعَ الصِّدِّيقِينَ في أول القوم ، وشاهدتَ سَاقَةَ المستغفرين في الرَّكْبِ ، وسَمِعْتَ استغاثة المُحِبِّينَ في وسط الليل ، ، لو رأيتهم يا غافلُ ، وقد دارت كُؤوسُ المناجات ؛ بين مزاهر التلاوات ، فأسكَرَتْ قَلْبَ الواجدِ ، ورقمت في مصاحف الوجنات. تعرفهم بسيماهم ، يا طويلَ النوم ، فاتتك مِدْحَةُ {تتجافى} [السجدة: 16] وَحُرِمْتَ مِنْحَةَ {والمستغفرين} [آل عمران: 17] ، يا هذا ، إنَّ للَّه تعالى ريحاً تُسَمَّى الصَّبِيحَةَ مخزونةً تحتَ العرش ، تَهُبُّ عند الأسحار ، فتحمل الدعاء والأنين والاستغفار إلى حضرة العزيز الجَبَّارِ ، انتهى.