رأينا من كلام النسفي ومن كلام ابن كثير أن هذه الفقرة لفتت النظر إلى قدرة الله، لتدلل من خلال ذلك على أن استبعاد البعث من قبل الكافرين في غير محله، فإن الله عزّ وجل الذي هذه آثار قدرته لا يعجزه ما استبعد الكافرون وقوعه وهو البعث، وقد بيّنت الآيات أن هذه المظاهر إنما تبصّر وتذكّر من اجتمع له صفتان:
العبودية لله، والإنابة إلى الله، فهؤلاء هم الذين يرون في ذلك ما يستدلون به استدلالا صحيحا على ما بعث به الرسل من حق، وعلى ما أنذروا به من حساب.
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ أي: من السحاب ماءً مُبارَكاً قال ابن كثير: أي نافعا، وقال النسفي: أي كثير المنافع فَأَنْبَتْنا بِهِ أي: بهذا المطر جَنَّاتٍ أي:
حدائق من بساتين ونحوها وَحَبَّ الْحَصِيدِ قال ابن كثير: وهو الزروع الذي يراد لحبه وادّخاره، قال النسفي: أي وحبّ الزرع ممّا شأنه أن يحصد كالحنطة والشعير وغيرهما
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ أي: طوالا شاهقات لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ أي: منضود أي بعضه فوق بعض لكثرة الطلع وتراكمه، أو لكثرة ما فيه من الثمر، والطلع: هو كل ما يطلع من ثمر النخيل
رِزْقاً لِلْعِبادِ أي: للخلق أي أنبتنا هذا كله بالمطر رزقا للعباد وَأَحْيَيْنا بِهِ أي: بذلك الماء بَلْدَةً مَيْتاً أي: قد جف نباتها كَذلِكَ الْخُرُوجُ أي: كما حييت هذه البلدة الميتة كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم، لأن إحياء الأموات كإحياء الموات، قال ابن كثير: (هذا مثال البعث بعد الموت والهلاك كذلك يحيي الله الموتى، وهذا شاهد من عظيم قدرته بالحس أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث) .
أكملت هذه الآيات إقامة الحجة، إذ عرضت نماذج على قدرة الله، ثمّ صبّ ذلك كله في التدليل على البعث، ثمّ عاد السياق عن التكذيب: فلقد ذكرت السورة من قبل: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ وها هي ذي السّورة تحدّثنا عن أن تكذيبهم ليس بدعا