الثاني: إن قلت: لم طرحت الواو من جملة {قَالَ قَرِينُهُ} وذكرت في الأولى ؟ قلت: لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول ، كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون .
فإن قلت: أين المقاولة ؟ قلت: لما قال قرينة: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} وتبعه قوله: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} وتلاه: {لَا تَخْتَصِمُوا} علم أن ثَمَّ مقاولة من الكافر ، لكنها طرحت للدلالة عليها من السياق كأنه لما قال القرين: هذا ما لدي عتيد ، قال الكافر: رب هو أطغاني ، فلما قال الكافر ذلك ، قال القرين: ما أطغيته ، فلما حكى قول القرين والكافر كأن قائلاً يقول: فماذا قال الله تعالى ؟ فقيل: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} وذكر الواو في الجملة الأولى لأنها أول المقاولة ، ولا بد من عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول ، أعني مجيء كل نفس مع الملكين ، وقول قرينه ما قاله له ، هذا ملخص ما في"الكشاف".
الثالث: جوز قوله تعالى:
{بِالْوَعِيدِ} أن تكون الباء زائدة في المفعول ، وأن يكون حالاً من الفاعل أو المفعول ، والباء للملابسة ، أو المعية ، والمعنى: قدمت هذا القول موعداً لكم به ، أو حال كون القول ملتبساً بالوعيد ، أو من {لَا تَخْتَصِمُوا} على تأويل تقديم الوعيد بالعلم به ، أي: لا تختصموا عالمين به ؛ وذلك لتصح الحالية ، ويكون بينها وبين عاملها مقارنة على اصطلاحهم .
الرابع: دل قوله تعالى:
{مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} على أنه لا خلف في إيعاد الله تعالى ، كما لا إخلاف في ميعاد الله . وهذا يرد على المرجئة حيث قالوا: ما ورد في القرآن من الوعيد فهو تخويف لا يحقق الله شيئاً منه ، وقالوا: الكريم إذا وعد أنجز ووفَّى ، وإذا أوعد أخلف وعفا ، أفاده الرازي .