{مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} قال ابن جرير: ما يغيَّر القول الذي قلته لكم في الدنيا وهو قوله:
{لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ، ولا قضائي الذي قضيته فيهم فيها .
{وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} أي: فلا أعذب أحداً بذنب غيره ، ولكن بذنبه بعد قيام الحجة عليه .
وقال القاشاني:
{وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ} حيث وهبت الاستعداد ، وأنبأت على الكمال المناسب له وهديتكم إلى طريق اكتسابه ، بل أنتم الظلامون أنفسكم باكتساب ما ينافيه ، وإضاعة الاستعداد بوضع النور في الظلمة ، واستبدال ما يفنى بما يبقى .
تنبيهات:
الأول: ظاهر الآيات أن هذا التقاول على حقيقته ؛ إذ لا مانع منها . وذهب بعض المفسرين إلى أنها مجاز .
قال القاشاني: هذه المقاولات كلها معنوية ، مثلت على سبيل التخييل والتصوير ، لاستحكام المعنى في القلب ، عند ارتسام مثاله في الخيال ، فادعاء الكافر الإطغاء على الشيطان وإنكار الشيطان إياه ، عبارة عن التنازع والتجاذب الواقع بين قوتيه: الوهمية والعقلية ، بل بين كل اثنتين متضادتين من قواه: كالغضبية والشهوية مثلا ؛ ولهذا قال:
{لَا تَخْتَصِمُوا} ولما كان الأمران في وجوده هما العقلية والوهمية ، كان أصل التخاصم بينهما ، وكذا يقع التخاصم بين كل متحاورين متخاوضين في أمر ، لتوقع نفع أولذة ، يتوقفان ما دام مطلوبهما حاصلاً ، فإذا حرما أوقعا بسعيهما في خسران وعذاب ، تدارءا ، أو نسب كلٌّ منهما التسبب في ذلك إلى الآخر ، لاحتجابهما عن التوحيد ، وتبرؤ كل منهما عن ذنبه لمحبَّة نفسه ؛ ولذلك قال حارثة رضي الله عنه للنبي عليه السلام: ورأيت أهل النار يتعاورون . و ( صوب عليه السلام قوله ) . انتهى .