قال القاشاني: وقول الشيطان: {مَا أَطْغَيْتُهُ} إلخ كقوله: {إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم} [إبراهيم: 22] ، لأنه لو لم يكن في ضلال عن طريق التوحيد ، بعيد عن الفطرة الأصلية بالتوجه إلى الجهة السفلية ، والتغشي بالغواشي المظلمة الطبيعية ، لم يقبل وسوسة الشيطان ، وقبل إلهام الملك ؛ فالذنب إنما يكون عليه بالاحتجاب من نور الفطرة ، واكتساب الجنسية مع الشيطان في الظلمة . انتهى .
وقال ابن جرير: وإنما أخبر تعالى عن قول قرين الكافر له يوم القيامة ، إعلاماً منه عباده ، تبرُّأ بعضهم من بعض يوم القيامة .
{قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ} [28]
{قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ} أي: لا تختصموا اليوم في دار الجزاء وموقف الحساب ؛ فلا فائدة في اختصامكم ، وقد قدمت إليكم في الدنيا بالوعيد لمن كفر بي وعصاني وخالف أمري ونهيي في كتبي ، وعلى ألسن رسلي .
قال القاشاني: النهي عن الاختصام ليس المراد به انتهاءه ، بل عدم فائدته, والاستماع إليه . كأنه قيل: لا اختصام مسموع عندي ، وقد ثبت وصحَّ تقديم الوعيد ، حيث أمكن انتفاعكم به ؛ لسلامة الآلات وبقاء الاستعداد ، فلم تنتفعوا به ولم ترفعوا لذلك رأساً ، حتى ترسخت الهيئات المظلمة في نفوسكم ، ورانت على قلوبكم ، وتحقق الحجاب ، وحقّ القول بالعذاب . انتهى .
وعن ابن عباس: أنهم اعتذروا بغير عذر ، فأبطل الله حجتهم وردَّ عليهم قولهم .
{مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [29]