فقوله مثلاً: {وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد ، وكذلك قوله: {أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} ، {أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} ، {أَمْ نَحنُ الْمُنشِئُونَ} فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد ، ومنزل واحد ، ومنشئ واحد.
وأما قوله {مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} فقد دل البرهان القطعي ، على أن الله موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله: {لَمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] كما تقدم إيضاحه قريباً.
وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله: {لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] . وقوله: {أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة: 59] وقوله: {أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [الواقعة: 69] وقوله: {أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ} [الواقعة: 72] وقوله {خَلَقْنَا لَهُمْ مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ} [يس: 71] لا يراد بشيء منه معنى الجمع ، وإنما يراد به التعظيم فقط.
وقد أجاب أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب الإبانة بما يقرب من هذا في المعنى.
واعلم أن لفظ اليدين ، قد يستعمل في اللغة العربية استعمالاً خاصاً ، بلفظ خاص لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة ، وإنما يراد به معنى أمام.
واللفظ المختص بهذا المعنى هو لفظة اليدين التي أضيفت إليها لفظة بين خاصة ، أعني لفظة بين يديه ، فإن المراد بهذه اللفظة أمامه. وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة ، ولا أي صفة كائنة ما كانت.
وإنما يراد به أمام فقط كقوله تعالى: {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرآن وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ} [سبأ: 31] أي ولا بالذي كان أمامه سابقاً عليه من الكتب.
وكقوله: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة} [المائدة: 46] أي مصدقاً لما كان أمامه متقدماً عليه من التوراة.