وخطؤهم المذكور لا شك فيه ، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولاً ، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق ، لسلموا مما وقعوا فيه.
ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم ، عالم كل العلم ، بأن الظاهر المتبادر ، مما مدح الله به نفسه ، في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق ، ولو كان يخطر في ذهنه لا يليق ، لأنه تشبيه بصفات الخلق ، لبادر كل المبادرة غلى بيان ذلك ، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، ولا سيما في العقائد ، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه.
فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤولون لا أساس له كما ترى.
فإن قيل: إن هذا القرآن العظيم ، نزل بلسان عربي مبين ، والعرب لا تعرف في غلتها ، كيفية لليد مثلاً ، إلا كيفية المعاني المعروفة عندها كالجارحة ، وغيرها من معاني اليد المعروفة في اللغة ، فبينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم.
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها ، لشدة منافاة صفة الله لصفة الخلق.
والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق ، فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر ، غلا هذه المشاهدة ، في حاسة الأذن والعين ، أما سمع لا يقوم بأذن وبصر لا يقوم بحدقة ، فهذا لا يعرفون له كيفية ألبتة.
فلا فرق بين السمع والبصر ، وبين اليد والاستواء ، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جمع ذلك ، هو المشاهد في المخلوقات.
وأما الذي اتصف الله به من ذلك ، فلا تعرف له العرب كيفية ، ولا حداً لمخالفةصفاته لصفات الخلق ، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى ، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة.