وعلى معنى إن توليتم بالتعذيب والتنكيل وإقفال العرب في جاهليتها وسيرتها من الغارات والثبات ، فإن كانت ثمرتها الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم.
وقيل معناه: إن تولاكم الناس: وكلكم الله إليهم ؛ والأظهر أن ذلك خطاب للمنافقين في أمر القتال ، وهو الذي سبقت الآيات فيه ، أي إن أعرضتم عن امتثال أمر الله في القتال.
{وأن تفسدوا في الأرض} بعدم معونة أهل الإسلام ، فإذا لم تعينوهم قطعتم ما بينكم وبينهم من صلة الرحم.
ويدل على ذلك {أولئك الذين لعنهم الله} .
فالآيات كلها في المنافقين.
وهذا التوقع الذي في عسى ليس منسوباً إليه تعالى ، لأنه عالم بما كان وما يكون ، وإنما هو بالنسبة لمن عرف المنافقين ، كأنه يقول لهم: لنا علم من حيث ضياعهم.
هل يتوقع منكم إذا أعرضتم عن القتال أن يكون كذا وكذا؟ وقرأ الجمهور: {تقطعوا} ، بالتشديد على التكثير ، وأبو عمرو ، في رواية ، وسلام ، ويعقوب ، وأبان ، وعصمة: بالتخفيف ، مضارع قطع ؛ والحسن: وتقطعوا ، بفتح التاء والقاف على إسقاط حرف الجر ، أي أرحامكم ، لأن تقطع لازم.
{أولئك} إشارة إلى المرضى القلوب ، {فأصمهم} عن سماع الموعظة ، {وأعمى أبصارهم} عن طريق الهدى.
وقال الزمخشري: لعنهم الله لإفسادهم وقطعهم الأرحام ، فمنعهم ألطافه ، وخذلهم حتى عموا. انتهى.
وهو على طريق الاعتزال.
وجاء التركيب: فأصمهم ، ولم يأت فأصم آذانهم ؛ وجاء: وأعمى أبصارهم ، ولم يأت وأعمامهم.
قيل: لأن الأذن لو أصمت لا تسمع الإبصار ، فالعين لها مدخل في الرؤية ، والأذن لها مدخل في السمع. انتهى.
ولهذا جاء: {وعلى سمعهم} {وجعل لكم السمع} ولم يأت: وعلى آذانهم ، ولا يأتي: وجعل لكم الآذان.
وحين ذكر الأذن ، نسبت إليه الوقر ، وهو دون الصمم ، كما قال: {وفي آذاننا وقر} {أفلا يتدبرون} : أي يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة ، وهو استفهام توبيخي وتوقيفي على محاربهم.