التعجيب بعظيم اقتداره على إخراج الظاهر من الوجود على مثال الباطن منه لإتمام
كلماته في ذلك قوله:"هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون وهؤلاء للنار وبعمل"
أهل النار يعملون"وإليه يرجع الأمر كله، وعلى مثل هذا يكون القرآن والوجود"
كله راجعًا إليه وإلى الإعلام بأسمائه وصفاته، ألا تسمعه يقول - عز من قائل:(فَمَا
أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ)يعني: عقولهم (مِنْ شَيْءٍ)
إن هذا العجب المعجب، سبحانه وله الحمد.
إلى هنا نظم بذلك قوله - جل ذكره: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى
وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ ... (27) . فهلا تذكروا فأبصروا.
يقول الله - عز وجل -: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ...(28)
كانوا يقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
يقول: فهلا نصروهم ( [بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ] وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ) أفكوا في
الدنيا عن الحق المعنى فأفكوا في الآخرة عما أفكوا إليه، وأفكوا أيضًا عن ثواب
من ثبت على الحق، ويقرأ:"وذلك أفَكَهُم"بنصب الفاء والكاف، أي: ذلك جعلهم
ضُلالاً كفرة. قرأه ابن عباس ومجاهد وأبو عياض.
قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) يعني وهو
أعلم: جئناك بهم وسقناهم إليك لتبلغ إليهم عن ربك فتكون رسولا إلى الجن
والإنس (فَلَمَّا حَضَرُوهُ) يعني: القرآن (قَالُوا أَنْصِتُوا) هكذا يكون أدب الاستماع.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204)
أي: بإجزال الأجر وزيادة الإيمان، والفتح فيه بالفهم عنه (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29) .
وقرأ حبيب بن عبد الله بن الزبير:"فلما قَضَى"بفتح القاف والضاد.
(فصل)
في قولهم هذا إلى آخر السورة لمن تدبره إقرار منهم برسالة الإنس، ودلالة
على أنهم مترقبين رسالة الرسل من الإنس إليهم من الله - جلَّ ذكره - من طريق