والذي أرى: أن موقعه الإيماء إلى أن الله قدّر للمؤمنين حسن الحال بعد الممات حتى صار ذلك المقدَّر مَضرِبَ الأمثال ومناط التشبيه ، وإلى أن حُسبان المشركين أنفسَهم في الآخرة على حالة حسنة باطل ، فعبر عن حسبانهم الباطللِ بأنهم أثبتوا لأنفسهم في الآخرة الحال التي هي حال المؤمنين ، أي حسب المشركون بزعمهم أن يكونوا بعد الموت في حالة إذا أراد الواصف أن يصفها وصفها بمشابهة حال المؤمنين في عندِ الله وفي نفس الأمر ، وليس المراد أن المشركين مَثَّلوا حالهم بحال المؤمنين فيؤول قوله: {كالذين آمنوا} إلى حكاية الكلام المحكي بعبارة تساويه لا بعبارة قائله ، وذلك مما يتوسع فيه في حكاية الأقوال كقوله تعالى حكاية عن عيسى
{ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ، ربّي وربّكم} [المائدة: 117] فإن ما أمره الله به: أن اعبدوا الله ربَّك وربّهم ، وذلك من خلاف مقتضى الظاهر دعا الله هنا قصد التنويه بالمؤمنين والعناية بزلفاهم عند الله ، فكأنه قيل: أحسبوا أن نجعلهم في حالة حسنة ولكن هذا المأمول في حسبانهم هو في نفس الأمر حال المؤمنين لا حالُهم.
فأُوجز الكلام ، وفَهْم السامع يبسطه.
والمواجه بهذا الكلام هم النبي والمؤمنون تكملة للغرض المبتدأ به في قوله: {قل للذي آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] على أن لك أن تجعل قوله تعالى: {كالذين آمنوا} معترضاً بين مفعولي (نجعل) وهما ضميرا الغائبين وجملة {سواء محياهم} أو ولفظ {سواء} في قراءة نصبه فلا يكون مراداً إدخاله في حسبان المشركين.
ويجوز على هذا أن يكون قوله: {كالذين آمنوا} تهكماً على المشركين في حسبانهم تأكيداً للإنكار عليهم.