وقولوا له - زيادة في الامتهان، وإمعانا في الإِذلال والتقريع والتوبيخ: ذق وتجرع من صنوف العذاب وألوانه، فلطالما ادّعيت لنفسك في كفرك وغُلَوَائك أَنك أَنت العزيز الذي لا يُذل، الكريم الذي لا يُمتهن ولا يبتذل.
روى أن أبا جهل عمرو بن هشام قال لرسول - صلى الله عليه وسلم: ما بين جبليها أَعز ولا أكرم مني، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربّك أَن تفعلا بى شيئًا. فقد علمت أَنى أمنع أَهل البطحاء وأَنا العزيز الكريم، فنزلت:
50 - {إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} :
أي: إن هذا العذاب الذي تقاسون، والجزاء الذي تلاقون، إن هذا ما كنتم تنكرون وتشكُّون فيه، وعدل الأُسلوب من الإِفراد إلى الجمع باعتبار المعنى؛ لأَن المراد جنس الأَثيم.
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
المفردات:
{أَمِينٍ} : يأمن صاحبه الآفات، أَو فناءَ نعيمه ونعمه.
{سُنْدُسٍ} : هو الحرير الرقيق.
{وَإِسْتَبْرَقٍ} : هو الديباج الغليظ شديد البريق.
{حُورٍ} : جمع حَوْراء، من الحور: وهو شدة سواد العين في شدة بياضها.
{عِينٍ} : جمع عيناء وهي واسعة العينين.
{وَوَقَاهُمْ} : وحفظهم.
{فَضْلًا} : تفضلا.
التفسير
53،52،51 - {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ} :
حكت الآيات السابقة عذاب الآثمين الكافرين، وعددت ألوانه وصوره، وجاءَت هذه الآيات تعرض نعيم المتقين وهناءَتهم، لتتأَلف سورة متكاملة تمثل هوان الآثمين في
عذابهم وذلِّهم ومهانتهم، وبهجة المتقين في نعيمهم وعزّهم ومكانتِهم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة.