ثم أخبر عن اعتراف الأركان وختم اللسان بقوله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65] ، فيشير إلى أن الغالب على الأفواه الكذب، كما قال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] ، والغالب على الأعضاء الصدق، ويوم القيامة يسأل الصادقون عن صدقهم، فلا يسأل الأفواه فإنها كثيرة الكذب، ويسأل الأعضاء فإنها كثيرة الصدق، تشهد بالحق، أما الكفار فشهادة أعضائهم عليهم مبيدة لهم، وأما العصاة من المؤمنين الموحدين فقد تشهد عليهم أعضاؤهم بالعصيان، ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضاً لهم بالإحسان فكما قيل: بيني وبينك يا ظلوم الموقف والحاكم العدل الجواد المثقف، وفي بعض الأخبار المروية المسندة: أن عبداً يشهد عليه أعضاؤه بالزلة فتتطاير شعرة جفن عين عبدي واحتجي عن عبدي، فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له، وينادي منادٍ هذا عتيق الله بعشرة.
وبقوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} [يس: 66] ، فيشير إلى طمس عين الظاهر بحيث لا يكون لها سبق، فكيف تبكي حتى تشهد بالبكاء على صاحبها؟! ويشير أيضاً إلى طمس عين الباطن، فإذا كانت مطموسة كيف يبصر بها الحق والباطل ليرجع من الباطل إلى الحق؟ وإذا لم يبصر بها الحق كيف يخاف من الباطل ليحرق قلبه بنار الخوف؟! وإذا لم يبصر بها الحق كيف يخاف من الباطل ليحرق قلبه بنار الخوف؟! فيسيل منه الدمع ليشهد له بالبكاء من الخوف.