ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أيْنَ الَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ؟ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخَلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
ثُمَّ يُؤْمَرُ بِسَائِرِ النَّاسِ فَيُحَاسَبُونَ"."
فذلك قوله عز وجل: {تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع} يعني: يصلون بالليل ويقومون عن فرشهم {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} خوفاً من عذابه، وطمعاً في رحمته {وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ} يعني: يتصدقون من أموالهم.
يعني: صدقة التطوع، لأنه قرنه بصلاة التطوع.
ويقال: يعني: الزكاة المفروضة.
والأول أراد به العشاء والفجر.
ثم بيَّن ثوابهم فقال عز وجل: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم} يعني: ما أعدّ لهم {مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} يعني: من الثواب في الجنة.
ويقال: من طيبة النفس.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ".
قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} .
قال مقاتل: قيل لابن عباس، ما الذي أخفي لهم؟ قال: في جنة عدن ما لم يكن في جناتهم.
قرأ حمزة {مَّا أُخْفِىَ} بسكون الياء.
وقرأ الباقون: بنصبها.
فمن قرأ بالسكون فهو على معنى الخبر عن نفسه.
فكأنه قال: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم} ومن قرأ بالنصب فهو على فعل ما لم يسم فاعله على معنى أفعل.
وقرئ في الشاذ {وَمَا أُخْفِىَ} يعني: {وَمَا أُخْفِىَ الله عَزِيزٌ عَرَّفَهَا لَهُمْ} ثم قال: {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يعني: جزاء لأعمالهم.
قوله عز وجل: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} يعني: لا يستوون عند الله عز وجل في الفضل.