الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ بِذِكْرِ قَوْلِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ حَيْثُ قَالَ: (أَمْ يَقُولُونَ) وفي الحشر حيث قال: (وَقالُوا أَإِذا) وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ قَوْلِهِمْ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُصِرِّينَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى إِنْكَارِ الْحَشْرِ وَالرَّسُولِ، وَأَمَّا الْوَحْدَانِيَّةُ فَكَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِهَا فِي الْمَعْنَى، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لُقْمَانَ: 25] فَلَمْ يَقُلْ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِوَاحِدٍ وَإِنْ كَانُوا قَالُوهُ فِي الظَّاهِرِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَمَّا ذَكَرَ الرِّسَالَةَ ذَكَرَ مِنْ قَبْلُ دَلِيلَهَا وَهُوَ التَّنْزِيلُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلَمَّا ذكر الوحدانية ذكر دليلها وهو خلق السماوات وَالْأَرْضِ وَخَلْقُ الْإِنْسَانِ مَنْ طِينٍ، وَلَمَّا ذَكَرَ إِنْكَارَهُمُ الْحَشْرَ لَمْ يَذْكُرِ الدَّلِيلَ؟
نَقُولُ فِي الْجَوَابِ: ذَكَرَ دَلِيلَهُ أَيْضًا وَذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ ابْتِدَاءً دَلِيلٌ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى إِعَادَتِهِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ اللَّهُ عَلَى إِمْكَانِ الْحَشْرِ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ: (ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الرُّومِ: 27] وَقَوْلُهُ: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس: 79] وكذلك خلق السماوات كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى) [يس: 81، 82] .
(وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ جَعَلَ جَمِيعَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِمَّا يَمْلَأُ بِهِمُ النَّارَ؟
نَقُولُ هَذَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَيْ جَهَنَّمُ تُمْلَأُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَا غَيْرَ أَمْنًا لِلْمَلَائِكَةِ، وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ دُخُولُ الْكُلِّ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ مَلَأْتُ الْكِيسَ مِنَ الدَّرَاهِمِ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَبْقَى دِرْهَمٌ خَارِجَ الْكِيسِ.