وعلاقة تلك الدورة بالشمس والقمر وجريانهما المنتظم علاقة واضحة. وتسخير الشمس والقمر عجيبة أضخم من عجيبة الليل والنهار ونقصهما وزيادتهما. وما يقدر على هذا التسخير إلا الله القدير الخبير. وهو الذي يقدر ويعلم أمد جريانهما إلى الوقت المعلوم. ومع حقيقة إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل ؛ وحقيقة تسخير الشمس والقمر وهما حقيقتان كونيتان بارزتان حقيقة أخرى مثلهما يقررها معهما في آية واحدة: {وأن الله بما تعملون خبير} .. وهكذا تبرز هذه الحقيقة الغيبية ، إلى جانب الحقائق الكونية. حقيقة مثلها ، ذات ارتباط بها وثيق.
ثم يعقب على هذه الحقائق الثلاث بالحقيقة الكبرى التي تقوم عليها الحقائق جميعاً. الحقيقة الأولى التي تنبثق منها الحقائق جميعاً. وهي الحقيقة التي تعالجها الجولة ؛ وتقدم لها بهذا الدليل:
{ذلك بأن الله هو الحق ، وأن ما يدعون من دونه الباطل ، وأن الله هو العلي الكبير} ..
ذلك.. ذلك النظام الكوني الثابت الدائم المنسق الدقيق.. ذلك النظام قائم بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل. قائم بهذه الحقيقة الكبرى التي تعتمد عليها كل حقيقة ، والتي يقوم بها هذا الوجود. فكون الله هو الحق. سبحانه. هو الذي يقيم هذا الكون ، وهو الذي يحفظه ، وهو الذي يدبره ، وهو الذي يضمن له الثبات والاستقرار والتماسك والتناسق ، ما شاء الله له أن يكون..
{ذلك بأن الله هو الحق} .. كل شيء غيره يتبدل. وكل شيء غيره يتحول. وكل شيء غيره تلحقه الزيادة والنقصان ، وتتعاوره القوة والضعف ، والازدهار والذبول ، والإقبال والإدبار. وكل شيء غيره يوجد بعد أن لم يكن ، ويزول بعد أن يكون. وهو وحده سبحانه الدائم الباقي الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يحول ولا يزول..