وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ توسط فيه غير مختال ولا مستضعف، وغير مسرع ولا مبطئ وفي الحديث الذي رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وهو ضعيف: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» والمقصود بقول عائشة في عمر رضي الله عنهما: «كان إذا مشى أسرع» أنه يسير ما فوق دبيب المتماوت وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ أي أنقص منه وأقصر أو اخفض إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ أي أقبحها وأزعجها وأصعبها على السامع لَصَوْتُ الْحَمِيرِ أوله زفير وآخره شهيق.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى فساد اعتقاد المشركين وأن المشرك ظالم ضال، ذكر ما يدل على ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة والعلم المرشد إلى الإقرار بوحدانيته، وإن لم يكن هناك نبوة، فإن لقمان توصل إلى إثبات التوحيد وإطاعة الله والتزام مكارم الأخلاق دون نبي ولا رسول.
وهذا إشارة إلى أن اتباع النبي صلّى الله عليه وسلّم لازم فيما لا يعقل معناه، إظهارا للتعبد، ولازم من باب أولى فيما يدرك بالعقل معناه.
التفسير والبيان:
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ، وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي وتالله لقد أعطينا لقمان الحكمة وهي التوفيق
إلى العمل بالعلم والفهم، وشكر الله وحمده على نعمه وأفضاله، وحب الخير للناس، واستعمال الأعضاء فيما خلقت له من الخير والنفع.
وهذا دليل على أن لقمان الحكيم هداه الله إلى المعرفة الصحيحة، من غير طريق النبوة.
ومن يشكر الله على ما منحه وأعطاه ربه، فيطيعه ويؤدي فرضه، فإنما يحقق النفع والثواب لنفسه، وينقذها من العذاب، كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصلت 41/ 46] وقال عز وجل: وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ [الروم 30/ 44] .
ومن جحد نعمة الله عليه، فأشرك به غيره، وعصى أوامره، فإنه يسيء إلى نفسه، ولا يضر ربّه، فإن الله غني عن العباد وشكرهم، لا يتضرر بذلك، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو المحمود في السماء والأرض بلسان الحال أو المقال، وإن لم يحمده أحد من الناس.