فجعل لهذا العلم ثلثمائة وستين سناً من كونه قلما، ومن كونه عقلاً ثلثمائة وستين تجلياً أو رقيقة كل سن أو رقيقة تفترق من ثلثمائة وستين صنفاً من العلوم الإجمالية فيفصلها فِي اللوح، وأول علم حصل فيه علم الطبيعة فكانت دون النفس، وهذا كله فِي عالم النور الخالص، ثم أوجد سبحانه الظلمة المحضة التي هي فِي مقابلة هذا النور بمنزلة العدم المطلق المقابل للوجود المطلق فأفاض عليها النور إفاضة ذاتية بمساعدة الطبيعة، فلأم شعثها ذلك النور فظهر العرش، فاستوى عليه اسم الرحمن بالاسم الظاهر فهو أول ما ظهر من عالم الخلق، وخلق من ذلك النور الممتزج الملائكة الحافين، وليس لهم شغل إلا كونهم حافين من حول العرش يسبحون بحمد ثم أوجد الكرسي فِي جوف هذا العرش، وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته، فكل فلك أصل لما خلق فيه من عماره، كالعناصر فيما خلق فيها من عمارها، وقسم فِي هذا الكرسي الكلمة إلى خبر وحكم، وهما القدمان اللتان تدلتا له من العرش كما ورد فِي الخبر.
ثم خلق فِي جوف الكرسي الأفلاك فلكا فِي جوف فلك، وخلق فِي كل فلك عالماً منه يعمرونه، وزينها بالكواكب {وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا} [فصلت: 2 1] إلى أن خلق صور المولدات، وتجلى لكل صنف منها بحسب ما هي عليه، فتكون من ذلك أرواح الصور وأمرها بتدبيرها وجعلها غير منقسمة بل ذاتاً واحدة، وميز بعضها عن بعض فتميزت وكان تمييزها بحسب قبول الصور من ذلك التجلي، وهذه الصور فِي الحقيقة كالمظاهر لتلك الأرواح، ثم أحدث سبحانه الصور الجسدية الخيالية بتجل آخر، وجعل لكل من الأرواح والصور غذاء يناسبه، ولا يزال الحق سبحانه يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفسين، وسبحان من يقول للشيء كن فيكون.