وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم {لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] وهم {المدبرات أمْراً} [النازعات: 5] فمنهم سماوية ومنهم أرضية، ولا يعلم عددهم إلى الله.
وفي الخبر"أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع"وهم مختلفون فِي الهيآت متفاوتون فِي العظم، لا يراهم على ما هم عليه إلا أرباب النفوس القدسية.
وقد يظهرون بأبدان يشترك فِي رؤيتها الخاص والعام وهم على ما هم عليه، حتي قيل: إن جبريل عليه السلام فِي وقت ظهوره فِي صورة دحية الكلبي بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة المنتهى، ومثله يقع للكمل من الأولياء، وهذا ما وراء طور العقل وأنا به من المؤمنين وقد ذكر أهل الله قدس الله تعالى أسرارهم أن أول مظهر للحق جل شأنه العما، ولما انصبغ بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيمين الذين هم فوق عالم الأجساد الطبيعية ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم.
فلما أوجدهم تجلى لهم باسمه الجميل فهاموا فِي جلال جماله، فهم لا يفيقون، فلما شاء أن يخلق عالم التدوين والتسطير عين واحداً من هؤلاء وهو أول ملك ظهر عن ملائكة ذلك النور سماه العقل والقلم، وتجلى فِي مجلى التعليم الوهبي بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية، فقبل بذاته علم ما يكون، وما للحق من الأسماء الإلهية الطالبة صدور هذا العالم الخلقي، فاشتق من هذا العقل ما سماه اللوح، وأمر القلم أن يتدلى إليه ويودع فيه ما يكون إلى يوم القيامة لا غير.