ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، وكان وقت إلقائه فيها ابن ستة عشرة سنة، وقيل ابن ست وعشرين سنة، ولما ألقي فيها، جعل كل شيء يطفئ النار إلا الوزغ، فإنه كان ينفخ في النار، فصم بسبب ذلك، وأمر صلى الله عليه وسلم بقتله، وكان من قتل وزغة في أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك. ذكر بعض الحكماء، أنا الوزغ لا يدخل بيتاً في زعفران. ومدة مكثه في النار سبعة أيام، وقيل أربعون يوماً، وقيل خمسون يوماً.
قوله: (في منجنيق) آلة ترمى بها الحجارة، فارسي معرب، لأن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب.
قوله: {كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً} أي ابردي برداً غير ضار. ورد أنه لما ألقي، أخذت الملائكة بضبعيه، فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وجلس معه يحدثه ويقول له: يا إبراهيم إن ربك يقول لك: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي؟ قال إبراهيم: ما كنت أياماً قط، أنعم مني من الأيام التي كنت في النار، ثم نظر نمروذ، وأشرف على إبراهيم من صرح له، فرآه جالساً في روضة والملك قاعد إلى جنبه، فناداه يا إبراهيم إن إلهك الذي بلغت قدرته، أن حال بينك وبين النار لكبير، هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال هل تخشى إذا قمت أن تضرك؟ قال: لا، قال: قم فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما وصل إليه قال له: يا إبراهيم من الرجل الذ رأيت معك مثلك في صورتك قاعداً إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظل، أرسله إلي ربي ليؤنسني فيها، قال نمروذ: يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قرباناً، لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك، حين أبيت إلا عبادته وتوحيده، وإني ذابح له أربعة آلاف بقرة، قال إبراهيم: إذاً لا يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه وترجع إلى ديني، فقال: لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبحها له فذبحها له نمروذ، وكف عن إبراهيم عليه السلام.