وقد أشار تعالى إلى ذلك في غير هذا الموضع. كقوله في"العنكبوت" {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي} [العنكبوت: 26] الآية ، وقوله في"الصافات": {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] على أظهر القولين. لأنه فار إلى ربه بدينه من الكفار. وقال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ} : هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة ، وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام ، وذلك حين خلصه الله من النار قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي} أي مهاجر من بلد قومي ومولدي ، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27] فيما نويت إلى الصواب. وما أشار إليه جل وعلا من أنه بارك العالمين في الأرض المذكورة ، التي هي الشام على قول الجمهور في هذه الآية بقوله: {إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} بينه في غير الموضع. كقوله: {وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 81] الآية ، وقوله تعالى: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] الآية. ومعنى كونه (بارك فيها) . هو ما جعل فيها من الخصب والأشجار والأنهار والثمار. كما قال تعالى: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض} [الأعراف: 96] ومن ذلك أنه بعث أكثر الأنبياء منها.
وقال بعض أهل العلم: ومن ذلك أن كل ماء عذب أصل منبعه من تحت الصخرة التي عند بيت المقدس. وجاء في ذلك حديث مرفوع ، والظاهر أنه لا يصح. وفي قوله تعالى: {إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 71] أقوال أخر تركناها لضعفها في نظرنا.