تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي] : أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.
قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} إلى قوله: {عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} .
المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرِهم ف"كم"في موضع نصب بقصمنا ، وهي خبر ، وفيها معنى التكثير . وانقصم أصله الكسر . يقال انقصم سنه ، وقصمت ظهر فلان ، أي: كسرته.
وروى ابن وهب عن بعض رجاله ، أنه كان باليمن قربتان ، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم ، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم ، فقتلوه ، فألقى الله في نفس بخث نصر غزوهم ، فبعث إليهم جيشاً ، فهزموه ، ثم بعث آخر فهزموه . فخرج
إليهم بنفسه ، فهزمهم ، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: {لاَ تَرْكُضُواْ وارجعوا إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ} . فرجعوا ، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم . فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف.
قال مجاهدك"قصمنا": أهكلنا . وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها ، لأن المعنى مفهوم.
ثم قال: {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ} أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم.
ثم قال: {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} .
أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب ، ووجدوا مسه ، إذا هم مما أحسوا يركضون . أي: يهربون سراعاً يعدون . وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت.
فقوله: {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ} .
لا يرجع إلى قوله: {قَوْماً آخَرِينَ} لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله ، لكنه راجع إلى قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} .
ثم قال: {لاَ تَرْكُضُواْ} .