وقال الضحاك: معناه:"لم أجعلهم جسداً لا روح فيه ، لا يأكلون الطعام ، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة ، لأنه بمعنى المصدر ، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام.
والتقدير: ذوي جسد . وهذا جواب لقوهم {وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام} [الفرقان: 7] . فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام ، وأنهم يموتون . وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين.
ثم قال تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوعد} .
أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات ، فأتتهم وكذبوا بها . كقوله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ} [المائدة: 115] .
{فَأَنجَيْنَاهُمْ} .
أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها . {وَمَن نَّشَآءُ} أي: وأنجينا من نشاء ،
يعني: من آمن بالرسل ، {وَأَهْلَكْنَا المسرفين} يعني: الذين أسرفوا/ على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم ، فازدادوا كفراً بذلك ، فهو إسرافهم.
ثم قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} . يخاطب قريشاً . أيك فيه شرفكم إن آمنتم به ، لأنه عليكم نزل ، وبلغتكم . وهو قوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي: حديثكم.
وقال سفيان:"نزل القرآن بمكارم الأخلاق"، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به.
والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد ، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل.
وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي] : ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم ، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا . وقد قال الله تعالى:
{إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار} [ص: 46] . أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم . وفيه قول آخر ، تراه في موضعه.
وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} .