يَقُولُ: إِنَّهُ وَطْءُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْمَحْشَرِ.
وَأَصْلُهُ: الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، يُقَالُ هَمَسَ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ بِحَدِيثِهِ إِذَا أَسَرَّهُ إِلَيْهِ وَأَخْفَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسًا ... إِنْ يَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
يَعْنِي بِالْهَمْسِ: صَوْتَ أَخْفَافِ الْإِبِلِ فِي سَيْرِهَا.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَلَامُ الْإِنْسَانِ لَا تَسْمَعُ تَحَرُّكُ شَفَتَيْهِ وَلِسَانِهِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}
يَقُولُ: لَا تَسْمَعُ إِلَّا مَشْيًا، قَالَ: الْمَشْي الْهَمْسُ: وَطْءُ الْأَقْدَامِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا} شَفَاعَةُ {مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} أَنْ يَشْفَعَ {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} وَأَدْخَلَ فِي الْكَلَامِ لَهُ دَلِيلًا عَلَى إِضَافَةِ الْقَوْلِ إِلَى كِنَايَةٍ «مِنْ» وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَاتِلِ الْآخَرِ: رَضِيتُ لَكَ عَمَلَكَ، وَرَضِيتُهُ مِنْكَ، وَمَوْضِعُ مَنْ مِنْ قَوْلِهِ {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ} نَصْبٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الشَّفَاعَةِ.
وَقَوْلُهُ {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَعْلَمُ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ مَا بَيْنَ أَيْدِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ مِنْ أَمْرِ الْقِيَامَةِ، وَمَا الَّذِي يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ {وَمَا خَلْفَهُمْ}
يَقُولُ: وَيَعْلَمُ أَمْرَ مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يُحِيطُ خَلْقَهُ بِهِ عِلْمًا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُ مُحِيطٌ بِعِبَادِهِ عِلْمًا، وَلَا يُحِيطُ عِبَادَهُ بِهِ عِلْمًا.