فالضمير في {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} [فصلت: 10] لا يعود على الأرض ، إنما على الجبال . لأن الجبال في الحقيقة هي مخازن القُوت ومصدر الخِصْب للأرض ، التي هي مصدر القوت ، فالإنسان مخلوق من الأرض ، واستبقاء حياته من الأرض ، فالنبات قوت الإنسان وللحيوان ، والنبات والحيوان قوت للإنسان .
إذن: لا بُدَّ للأرض من خُصُوبة تساعدها وتُمدّها بعناصر الغذاء ، ولو أن الخالق عز وجل جعل الأرض هكذا طبقةً واحدة بها المخصّبات لانتهتْ هذه الطبقة بعد عدة سنوات ، ولأجدبتْ الأرض بعد ذلك .
إذن: خلق اللهُ الجبالَ لحكمة ، وجعلها مصدراً للخصب الذي يمد الأرض مَدَداً دائماً ومستمراً ما بقيتْ الحياة على الأرض ، ومن هذا تتضح لنا حكمة الخالق سبحانه في أن تكون الجبال صَخْراً أصمّ ، فإذا ما تعرضت لعوامل التعرية على مَرَّ السنين تتفتتْ منها الطبقة الخارجية نتيجة لتغيُّر الظروف المناخية من حرارة وبرودة .
ثم تأتي الأمطار وتعمل في الصخر عمل المَبْرَد ، وتُكوِّن ما يسمى بالغِرْيَن ، فتحمل هذا الفتات إلى الوِدْيان ومجاري الأنهار ، وتُوزِّعه على طبقة الأرض ، فتزيدها خِصْباً تدريجياً كل عام ، وإلاَّ لو كانت الجبال هَشَّة غير متماسكة لأنهالتْ في عدة أعوام ، ولم تُؤَدِّ هذا الغرض . لذلك نقول: إن الجبال هي مصدر القوت ، وليست الأرض .
ألاَ ترى أن خصوبة الوادي والدلتا جاءت من طمي النيل ، والغِرْين الذي يحمله الماء من أعالى أفريقيا . وهذا الغِرْيَن الذي يُنحَتُ من الجبال هو الذي يُسبب الزيادة في رقعة اليابسة ، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة في المدن المطِلَّة على البحر ، فبعد أن كانت على شاطئه أصبحت الآن داخل الياسبة .