فقد يتصوَّر البعض أنْ الجبال تُهَدُّ ، وتتحول إلى كُتَل صخرية كما نُفجِّر نحن الصخور الآن إلى قطع كبيرة ؛ لذلك أكّد على النسف ، وأن الجبال ستكون ذرات تتطاير ؛ لذلك قال في آية أخرى: {وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة: 5] أي: كالصوف المندوف .
لكن ، لماذا ذكر الجبال بالذات؟
قالوا: لأن الإنسان يرى أنه ابْنُ أغيار في ذاته ، وابن أغيار فيما حوله مِمَّا يخدمه من حيوان أو نبات ، فيرى الحيوان يموت أو يُذبَح ، ويرى النبات يذبل ثم يجفّ ويتفتَّت ، والإنسان نفسه يموت وينتهي .
إذن: كل ما يراه حوله بيِّن فيه التغيير والانتهاء ، إلا الجبال يراها راسية ثابتة ، لا يلحقها تغيير ظاهر على مرِّ العصور .
لذلك يُضرب بها المثل في الثبات ، كما في قوله الحق سبحانه وتعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال} [إبراهيم: 46] .
فالجبال مظهر للثبات ، فقد يتساءل الإنسان عن هذا الخلْق الثابت المستقر ، ماذا سيفعل الله به؟
ثم يقول الحق سبحانه: {فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً}
{قَاعاً صَفْصَفاً} [طه: 106] : أرضاً مستوية مَلْساء لا نباتَ فيها ولا بناء ، والضمير في {فَيَذَرُهَا} [طه: 106] يعود على الأرض لا على الجبال ؛ لأن الجبال لا تكون قاعاً صفصفاً ، أمّا الأرض مكان الجبال فتصير ملساء مستوية ، لا بناءَ فيها ولا جبال ، فالأرض شيءٌ والجبال فوقها شيء آخر .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت: 910] .