فلو وقفنا عند {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 98] لأتعبتْنا هذه المسألة ؛ لأنه سيجازينا عن السيئة وعن الحسنة ، ومَنْ يطيق هذا؟
ثم يُبيِّن الحق سبحانه حكمة القَصَص في القرآن ، والقَصَص لون من التاريخ ، وليس مطلق التاريخ ، القصص تاريخ لشيء مشهود يهمني وتفيدني معرفته ، وإلا فمن التاريخ أن نقول: كان في مكان كذا رجل يبيع كذا ، وكان يفعل كذا أو كذا .
إذن: فالقصص حدث بارز ، وله تأثيره فيمَنْ سمعه ، وبه تحدث الموعظة ، ومنه تؤخذ العبرة .
والتاريخ هو ربط الأحداث بأزمنتها ، فحين تربط أيَّ حدث بزمنه فقد أرَّخْتَ له ، فإذا كان حَدَثاً متميزاً نسميه قصة تُروَى ، فإنْ كانت قصة شهيرة تعلو على القصص كله نسميها سيرة ، لذلك خُصَّ باسم السيرة تاريخ قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن القَصَص شيء مميز ، أما السيرة فهي أميز ، ورسول الله خاتم الأنبياء ؛ لذلك نقول عن تاريخه سيرة ولا نقول قصة ؛ لأن واقعه في الحياة كان سَيْراً على منهج الله ، وعليه نزل القرآن ، وكان خُلقه القرآن .
والقصص يأتي مرة بالحدث ، ثم تدور حوله الأشخاص ، أو يأتي بشخصية واحدة تدور حولها الأحداث ، فإذا أردتَ أن تؤرخ للثورة العرابية مثلاً وضعت الحدث أولاً ، ثم ذكرتَ الأشخاص التي تدور حوله ، فإنْ أردتَ التأريخ لشخصية عرابي وضعت الشخصية أولاً ، ثم أدرت حولها الأحداث .
وقَصص القرآن يختلف عن غيره من الحكايات والقصص التي نسمعها ونحكيها من وضع البشر وتأليفهم ، فهي قصص مُخْتَرعة تُبنى على عُقْدة وَحلِّها ، فيأخذ القاصُّ حدثاً ، ثم ينسخ حوله أحداثاً من خياله .
وبذلك يكونون قد أخذوا من القصص اسمه ، وعدلوا عن مُسمَّاه ، فهم يُسمُّون هذا النسيج قصة ، وليست كذلك ؛ لأن قصة من قصَّ الأثر أي: مشى على أثره وعلى أقدامه ، لا يميل عنها ولا يحيد هنا أو هناك .