وأقوال الزمخشري تتجه إلى أن قوله لَا مساس منع من مخالطة الناس، حتى لا يجرهم إلى الضلال والفتنة، وقال في ذلك: عوقب في الدنيا بعقوبة لَا شيء أطمَّ منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرم عليه ملاقاتهم، ومكالمتهم، ومبايعتهم، ومواجهتهم، وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضًا، واذا اتفق أن يماسّ أحدا رجلا أو امرأة حم المماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لَا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحش النافر في البرية، هذا هو عقاب السامري في الدنيا نفرة من الناس، ونفرة منه لمرض ألَمَّ به، ومنع من الناس، ونرى الأول كما أشرنا.
وأما العقاب الأخروي فقد ترك أمره لله تعالى، وقال له موسى (وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ) أي أنه جاءٍ لَا محالة، وهو يوم البعث.
واتجه موسى إلى مادة الجريمة بعد أن اتجه إلى المجرم، وهو صورة العجل، أو تمثاله فقال: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) أمره موسى أن ينظر إليه لبيان أنه ليس شيئا يعبد، فإن المعبود باق يدوم ولا يفنى، وأمره بالنظر إليه مع التعبير بأنه إلهه الذي يعبده تهكما به، وبمن اتخذه إلها (الَذي ظَلْتَ) مخفف من (ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكفًا) ، أي ظللت مقيما عابدا لله وحده (لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) يقال حرَّق الشيء إذا برده بالمبرد، حتى صار ذرات تنسف، ومن ذلك قولهم: يحرق الأُرَّم، وإنه بعد بَرْده ينسف في البحر نسفا أي يلقى في البحر ذرات غير متجمعة ولا مجموعة، ومن الخطأ أن يفسر (لَّنُحَرِّقَ) بمعنى الإحراق بالنار؛ لأن النار تذيب الذهب وتصهره، ولا تجعله ذرات تنسف، ولأن اللغة تفسر التحريق بالبرد بالمبرد، وهو المعقول المناسب للمقام، والمتفق مع السياق وكلمة النسف. انتهى انتهى {زهرة التفاسير} ...