حينما عاين السحرة ما حدث بعد إِلقاء موسى عصاه، وشاهدوه مشاهدة إِمعان وتأَمل، علموا علم اليقين أن ذلك معجز وليس من قبيل السحر والتمويه، وإِنما هو حق لا شك فيه، ولا يقدر عليه إلَّا الذي يقول للشيء كن فيكون، لأنه بمعزل عن السحر الذي استفرغوا جهدهم للإحاطة بفنونه، وطرقه وكل وجوهه، وأدركوا أنه فوق قدرة البشر، حيث تأَكد لهم أَن الله سبحانه هو الذي غيَّر مادة العصا إلى ثعبان عظيم أَباد حبالهم وعصيهم أَصلا وصورة، ولو كان ما صنعه موسى سحرا لبقيت الحبال حبالا والعصى عصيا بعد أن أبطلت العصا سحرهم فيها، ولما وَقَرَ هذا في قلوبهم اتجهوا إلى موسى فوقع كل منهم على وجهه ساجدًا لله إِعلانًا لتوبته وإِيمانه بالله وبرسالة رسوله موسى عليه السلام، حيث: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} وكفرنا بفرعون وبما يدعونا إِليه، قال ابن عباس وعبيد بن عمير:"كانوا أَول النهار سحرةً، وفي آخر النهار شهداءَ بررة": فقد قتلهم فرعون بعد إِيمانهم بموسى كما سيجئُ بيانه، وعن عكرمة: لما خَرُّوا سجدًا أَراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة، وقد اخلف العلماءُ في عددهم. فمنهم من أَنهم إِلى ثمانين أَلفا، كمحمد بن كعب، ومنهم من قال: إِنهم سبعون ألفًا كالقاسم
ابن أَبي بزَّة، وقال السدِّى: كانوا بضعة وثلاثين الفًا .. إِلى غير ذلك من الأَقوال - والله أَعلم بعددهم، فليس أَمامنا ما يدل على صحة هذه الأَقوال المتباينة. والتعبير في الآية بقوله سبحانه: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا} دون فسجدوا إِشارة إلى أنهم رَأوْا ما ألجأَهم فلم يتمالكوا حتى وقعوا على وجوههم ساجدين.