ولما كان الإنسان عُرْضة لأغيار لا يثبتُ على حال يتقلَّب بين عافية ومرض ، بين غِنىً وفقرٍ ، فكُلُّ ما فيه موهوب له لا ذاتيّ فيه ، لذلك إياك أن تحزن حين يفوتك شيء من النعمة ؛ لأنها لن تبقى ولن تدوم ، وهَبْ أنك بلغتَ قمة النعيم ، فماذا تنتظر إلا أنْ تزول ، كما قال الشاعر:
إذَا تَمَّ شَيْءٌ بَدَا نَقْصُه ... تَرقَّبْ زَوَالاً إِذَا قِيلَ تَمّ
فإذا تَمَّ لك الشيء ، وأنت ابْنُ أغيار ، ولا يدوم لك حال فلا بُدَّ لك أن تنحدر إلى الناحية الأخرى .
فكأن نقْصَ الإنسان في آماله في الحياة هي تميمة حراسة النِّعَم ، وما فيه من نَقْص أو عيب يدفع عنه حَسَد الحاسد ، كما قال الشاعر في المدح:
شَخَصَ الأنَامُ إلى كَمَالِكَ ... فَاسْتِعذْ مِنْ شَرِّ أعينهِمْ بِعيْبٍ وَاحِدٍ
أي: أن الأعين متطلعة إليك ، فاصرفها عنك ، ولو بعيب واحد يذكره الناس وينشغلون به .
وفي الريف يعيش بعض الفلاحين على الفطرة ، فإنْ رُزِق أحدهم بولد جميل وسيم يُلفِت نظر الناس إليه . وتراهم يتعمدون إهمال شكله ونظافته ، أو يضعونَ له (فاسوخة) دَفْعاً للحسد وللعين .
لذلك فالمرأة التي دخلت على الخليفة ، فقالت له: أتمَّ الله عليك نعمته ، وأقرَّ عينك ، ففهم الحضور أنها تدعو له ، فلما خرجتْ قال الخليفة: أعرفتم ما قالت المرأة؟ قالوا: تدعو لك ، قال: بل تدعو عليَّ ، فقد أرادت بقولها: أتمَّ الله عليك نعمته تريد أزالها ؛ لأن النعمة إذا تمت لم يَبْقَ لها إلا الزوال ، وقولها: أقَرَّ الله عينكَ تريد: أسكنها عن الحركة .
إذن: لا تغضَب إنْ قالوا عنك: ناقص في كذا ، فهذا النقص هو تميمة الكمال ، ويريدها الله لك لمصلحتك أنت .
وما دام الإنسان ابن أغيار ، فلا بُدَّ أنْ يغفل عن منهج الله ، فتكون له سَقَطات وهَفَوات تحتاج إلى غفران ؛ لذلك يقول تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ...}