ثم يقول تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81] الفعل: حَلَّ ، يحلّ يأتي بمعنى: صار حلالاً ، كما تقول للسارق: حلال فيه السجن . وتأتي حلَّ يحل بمعنى: نزل في المكان ، تقول: حَلَّ بالمكان أي: نزل به . فيكون المعنى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81] أي: صار حلالاً ، ووجب لكم ، أو بمعنى: ينزل بكم . وقد يكون المعنى أعمَّ من هذا كله .
والغضب انفعال نفسيٌّ يُحدِث تغييراً في كيماوية الجسم ، فترى الغاضب قد انتفختْ أوداجه واحمرَّ وجهه ، وتغيّرت ملامحه ، فهذه أغيار تصاحب هذا الانفعال . فهل غضب الله عز وجل من هذا النوع؟
بالطبع لا ؛ لأنه تعالى ليس عنده أغيار ، وإذا كان الغضب يتناسب وقدرة الغاضب على العذاب ، فما بالك إنْ كان الغضب من الله؟
ثم يقول تعالى: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى} [طه: 81] مادة: هَوَى لها استعمالان ، الأول: هَوَى يهْوِي: يعني سقط من أَعْلى سقوطاً لا إرادةَ له في منعه ، كأن يسقطَ فجأة من على السطح مثلاً ، ومن ذلك قوله:
هُوِيّ الدلو أَسْلَمَها الرِّشَاء ... إذا انقطع الحبل الذي يُخرِج الدَّلُو .
والآخر: هَوِىَ يَهْوَى: أي أحبَّ .
فيكون المعنى {فَقَدْ هوى} [طه: 81] سقط إلى القاع سقوطاً لا يبقى له قيمة في الحياة ، أو هَوَى في الدنيا ، ويَهوي في الآخرة ، كما جاء في قوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9] فأمه ومصدر الحنان له هاوية ، فكيف به إذا هوى في الهاوية؟
هذه كلها عِظَات ومواعظ للمؤمن ، يُبيِّنها الحق سبحانه وتعالى له كي يبني حركة حياته على ضَوْئها وهُدَاها .