وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يا أَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] وقال: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغُذِّي بالحرام ، فأنَّى يُستجاب لذلك".
ذلك لأن ذرات بنائه غير منسجمة ، لأنها نَمتْ على وقودٍ ما أحله الله له .
لذلك تسمع من بعض المتمحكين: ما دام أن الله خلق الخنزير فلماذا حرَّمه؟ نقول: لقد فهمتَ أن كل مخلوق خُلِق ليؤكل ، وهذا غير صحيح ، فالله خلق البترول الذي تعمل به الآلات ، أتستطيع أن تشربه كالسيارة؟
إذن: فَرْق بين شيء مخلوق لشيء ، وأنت توجهه لشيء آخر ، هذه تسمى إحالة أي: تحويل الشيء إلى غير ما جُعِل له ، وهذا هو الطغيان في القُوت ؛ لأنك نقلتَ الحرام إلى الحلال .
وقد يأتي الطغيان في صورة أخرى ، كأن تأكل ما أحلَّ الله من الطيبات ، لكنك تحصل عليها بطريق غير مشروع ، وتُعوِّد نفسك الكسل عن الكسْب الحلال ، فتأخذ مجهود غيرك وتعيش عالةً عليه ، فإلى جانب أنك تتغذَّى على الحرام فأنت أيضاً تُزهّد غيرك في الحركة والإنتاج والمِلك ، وما فائدة أن يتعب الإنسان ويأخذ غيره ثمرة تعبه؟
وقد أخذ الطغيان بهذا المعنى صُوراً متعددة في مجتمعاتنا ، فيمكن أن ندرج تحته: الغصب ، والخطف ، والسرقة ، والاختلاس ، والرشوة ، وخيانة الأمانة ، وخداع مَن استأجرك إلى غير ذلك من أخْذ أموال الناس بالباطل ودون وَجْه حق ، وكل عمل من هذه التعديات له صورته .