والخالق عز وجل حينما يعرض علينا قضية السحر ، وأنه عبارة عن تَسخير الشياطين لخدمة الساحر ، ويجعل لكل منهما القدرة على مضرّة الآخرين: الساحر بالسحر ، والشياطين بما لديهم من قوة التشكّل في الأشكال المختلفة والنفاذ من الحواجز ؛ لأن الجن خُلِقُوا من النار ، والنار لها شفافية تنفذ خلال الجدار مثلاً .
أما الإنسان فَخُلِق من الطين ، والطين له كثافة ، وضربنا مثلاً لنقرب هذه المسألة ، قلنا: هَبْ أنك تجلس خلف جدار ، ووراء هذا الجدار تفاحة مثلاً وهي من الطينية المتجمدة ، أيصل إليك من التفاحة شيء؟ إنما لو خلف الجدار نار فسوف تشعر من خلال الجدار بحرارتها . هذه إذن خصوصيات جعلها الخالق عز وجل للشياطين فضلاً عن أنهم يرونكُم من حيث لا ترونهم .
لكن ، كان من لُطْف القدير بنا أن جعل لنا ما يحمينا من الشياطين ، فجعل الحق تبارك وتعالى حين يتشكَّلون في الأشكال المختلفة تحكمهم هذه الأشكال ، بمعنى لو أن الشيطان تشكّل لك في صورة إنسان فقد حكمتْه هذه الصورة ، فلو أطلقتَ عليه الرصاص في هذه اللحظة لقتلتَه فعلاً .
لذلك ؛ فالشيطان يخاف منك أكثر مما تخاف منه ، ولا يظهرون لنا إلا ومضة ولمحة سريعة خَوْفاً أن يكون الرائي له على عِلْم بهذه المسألة فيمسك به وساعتها لن يفلت منك .
وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم شيطاناً وقال:"لقد هممت أن أربطه بسارية المسجد ، يلعب به غلمان المدينة ، إلا أنني ذكرت دعوة أخي سليمان {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي} [ص: 35] ".
إذن: الحق سبحانه أعطاهم خصوصية التشكّل كما يحبون ، إنما قيدهم بما يشكّلون به ، كأنه يقول له: إذا تركتَ طبيعتك وتشكَّلْت بصورة أخرى فارْضَ بأنْ تحكمك هذه الصورة ، وأن يتحكم فيك الأضعف منك ، وإلا لَفزَّعوا الناس وأرهبوهم ، ولم نسلم من شَرَّهم .